مجمع البحوث الاسلامية
710
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
أحسن بزيد ، فقد أمرت كلّ واحد بأن يجعل زيدا حسنا ، ومعنى جعله كذلك : وصفه به ، فكأنّك قلت : صفة بالحسن كيف شئت . فإنّ فيه منه كلّ ما يمكن أن يكون في شخص . [ ثمّ استشهد بشعر ] وهذا المعنى مناسب للتّعجّب بخلاف تقدير « سيبويه » ، وأيضا همزة « الجعل » أكثر من همزة : صار ذا كذا وإن لم يكن شيء منهما ، على ما قال الرّضيّ قياسا مطّردا . واعتبر الفاعل ضمير المأمور وهو كلّ أحد ، لأنّ المراد أنّه لظهور الأمر يؤمر كلّ أحد ، لا على التّعيين بوصفه بما ذكر ، ولم يتصرّف في « أفعل » على هذا المذهب فيسند إلى مثنّى أو مجموع أو مؤنّث ، لما ذكروا من علّة كون فعل التّعجّب غير متصرّف ، وهي مشابهته الحروف في الإنشاء ، وكون كلّ لفظ من ألفاظه صار علما لمعنى من المعاني . وإن كان هناك جملة فالقياس أن لا يتصرّف فيه ، احتياطا لتحصيل الفهم كأسماء الأعلام ، فلذا لم يتصرّف في « نعم وبئس » في الأمثال ، وسهل ذلك هنا انمحاء معنى الأمر فيه ، كما انمحى معنى « الجعل » وصار لمحض إنشاء التّعجّب ، ولم يبق فيه معنى الخطاب ، والباء زائدة في المفعول . وأجاز الزّجّاج أن تكون الهمزة للصّيرورة ، فتكون الباء للتّعدية ، أي صيّره ذا حسن ، ثمّ إنّه اعتذر لبقاء « أحسن » في الأحوال على صورة واحدة ، لكون الخطاب لمصدر الفعل ، أي يا حسن أحسن بزيد . وفيه تكلّف وسماجة . وأيضا نحن نقول : أحسن بزيد يا عمرو ، ولا يخاطب شيئان في حالة إلّا أن يقول : معنى خطاب الحسن قد انمحى ، وثمرة الخلاف بين « سيبويه » وغيره تظهر فيما إذا اضطرّ إلى حذف الباء ، فعلى مذهب سيبويه يلزم رفع مجروره ، وعلى غيره يلزم نصبه . هذا ، وقال ابن عطيّة : يحتمل أن يكون معنى الآية : أبصر بدين اللّه تعالى وأسمع به ، أي بصر بهدى اللّه تعالى وسمع به ، فترجع الهاء إمّا على الهدى وإمّا على الاسم الجليل ، ونقل ذلك عن ابن الأنباريّ ، وليس بشيء . وقرأ عيسى ( ابصر به واسمع ) بصيغة الماضي فيهما ، وخرّج ذلك أبو حيّان على أنّ المراد الإخبار لا التّعجّب ، والضّمير المجرور للّه تعالى ، أي أبصر عباده بمعرفته سبحانه وأسمعهم . وجوّز أن يكون ( ابصر ) أفعل تفضيل ، وكذا ( اسمع ) وهو منصوب على الحاليّة من ضمير له ، وضمير ( به ) عائد على الغيب . وليس المراد حقيقة التّفضيل بل عظم شأن بصره تعالى وسمعه عزّ وجلّ ، ولعلّ هذا أقرب ممّا ذكره أبو حيّان . وحاصل المعنى عليه أنّه جلّ شأنه يعلم غيب السّماوات والأرض بصيرا به وسميعا على أتمّ وجه وأعظمه . ( 15 : 254 ) القاسميّ : أي ما أبصره لكلّ موجود ، وأسمعه لكلّ مسموع ! لا يخفى عليه شيء ولا يجب بصره وسمعه شيء . قال في « الإكليل » : استدلّ بقوله تعالى : أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ المنتخب على جواز إطلاق صيغة التّعجّب في صفات اللّه تعالى ، كقولك : ما أعظم اللّه وما أجلّه ! انتهى . يعني أن يشتقّ من الصّفات السّمعيّة صيغة التّعجّب